البرنامج العام|بناء مجتمع المشاركة الشعبية

 

وعلى المستوى العالمى

أدى انهيار الدولة السوفيتية والتغيرات فى دول شرق أوروبا إلى انتهاء الحرب الباردة وانهاء سباق التسلح وتفرد الولايات المتحدة بإمكانية استخدام القوة المسلحة أو التهديد باستخدامها لفرض نفوذها ، وأخذ حلف الأطنطى يبتلع بلدان المنظومة الاشتراكية السابقة واحدة بعد الأخرى، وقد صاحب تأزم ثم انهيار التجربة السوفيتية صعود الريجانية والتاتشرية فى الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ، وبدء تفكك دولة الرفاهة فى غرب أورباالذى يلقى معارضة قوية من الشعوب ومن القوى اليسارية تمسكا بحقوقها الاجتماعيةونشر أيديولوجية آلية السوق على النطاق العالمي ، وكان ذلك هو التعبير السياسى للتحولات التدريجية التى حدثت فى إطار الرأسمالية فى دول العالم المتقدم حيث تحولت الرأسمالية من طابعها القومي إلى رأسمالية ذات طابع عالمي، وتجلى ذلك فى عقد اتفاق الجات 1994 وانشاء منظمة التجارة العالمية، مما يعكس تعمق ظاهرة الكوكبة والزيادة الكبيرة فى دور الشركات متعدية الجنسية . وصاحب الكوكبة وارتبط بها ودفع إليها ونتج عنها فى نفس الوقت التسارع فى الثورة العلمية والتكنولوجية وبخاصة تطبيقاتها فى ميدان المعلوماتية ، بما غير طابع العملية الإنتاجية وعمليات التسويق والإدارة ، ونوعية القوى العاملة ، ودور الحكومات الوطنية، ودور وفاعلية منطمات العاملين، ومنظمات العمل الأهلى الأخرى وغيرها . ورغم الطابع الإيجابي للثورة العلمية والتكنولوجية وبالرغم من أنها قد تفتح المجال أمام الدول النامية لتحقيق طفرات كبيرة على مسار التقدم، إذا ماسارعت ببناء قواعدها الوطنية للعلم والتكذلوجيا، وبالرغم مما ترتب عليها من تقدم فى مجالات الصحة والتعليم والمواصلات والاتصال والزراعة والصناعة، إلا أن الدول الرأسمالية المتطورة استفادت من هذه الثورة أكثر من غيرها بحكم أنها المسيطرة على عمليات إنتاجها وتوزيعها.

فقد تحولت المعرفة والسيطرة عليها لتصبح العامل الأكثر أهمية فى تحديد القدرة التنافسية لمختلف منتجى السلع والخدمات فى السوق الذى أصبح بدوره عالميا، مع بقاء الفقراء وهم أكثر من خمس سكان الأرض خارج هذه السوق لفقدانهم القدرة على الشراء .ومكّن التطوير فى المعلوماتية الشركات متعدية الجنسيات من ممارسة الإنتاج فى أكثر مناطق العالم مع الاحتفاظ بقدرة مراكز الشركات على التوجيه والرقابة على مختلف مراكز الإنتاج التابعة لها أو التى تمارس الإنتاج لصالحها . وأدى التطور فى الهندسة الوراثية وفى علم المواد إلى تغيير شامل فى بعض العمليات الإنتاجية، وإلى فقد العديد من الموارد الطبيعية لأهميتها كقاعدة للصناعات ، مما أدى الى تهميش دور منتجى المواد الأولية والموارد المعدنية خاصة فى الدول المتخلفة . وقد زادت الهوة بشدة بين البلاد الصناعية المتقدمة فى الشمال، والدول النامية فى الجنوب، رغم تمكن عدد محدود من الدول فى شرق آسيا وجنوبها الشرقى وفى أمريكا اللاتينية من تحقيق معدلات عالية للتنمية، ومن الانضمام الى مجموعة الدول الصناعية الحديثة القادرة على التنافس فى السوق الدولى وعلى التصدير للعالم الخارجى، وقد بقيت قيادة الاقتصاد الدولى مركزة فى يد الدول الصناعية السبع الكبرى يمثل مجموع ناتجها المحلى الاجمالى 47% من الناتج المحلى لمجموع دول العالم التى يتم التنسيق فيما بينها عن طريق اجتماعات دورية للقمة، وتمارس هذه الدول قيادة الاقتصاد الدولى عن طريق المؤسسات المالية والتجارية الدولية – صندوق النقد الدولى والبنك الدولى ومنظمة التجارة العالمية، وقد تم بتعاون هذه المؤسسات إحداث تغيير شامل فى البيئة الاقتصادية العالمية، حيث فرضت برامج للتثبيت وإعادة الهيكلة على العديد من الدول النامية تم فى اطارها محاولة معالجة العجز فى موازين المدفوعات، وفرض سيطرة نقدية وماليه حازمة عليها، وجرى تقليص دور القطاع العام وفتح الطريق لخصخصة النشاط الانتاجى (وتحرير) التجارة الخارجية وفتح الأسواق لتدفق السلع ورأس المال، ورغم الاتجاه الى عالمية الأسواق وفرض حرية انتقال السلع والخدمات ورأس المال على النطاق العالمى دون قيود (مع تشديد القيود على حركة العمل عبر الحدود)، ورغم ظاهرة الكوكبة فإن التنافس بين الدول الرأسمالية المتقدمة قد دفعها الى تشكيل تجمعات اقتصادية ضخمة يضم كل منها عدداً من الدول المشتركة فى المصالح التى تكون فيما بينها سوقاً مشتركاً أو منطقة للتجارة الحرة يتمتع فيها أعضاء السوق أو منطقة التجارة بمميزات لا يشاركهم فيها المتعاملون من خارج السوق مثل الاتحاد الأوربى ومنظمة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية “نافتا”.

       على أن التقدم العلمي والتكنولوجي وزيادة القدرة على الإنتاج لم ينجحا فى القضاء على الفقر حتى فى الدول المتقدمة0 فالبيئة الاقتصادية الجديدة بيئة تتفاقم فيها التناقضات وتزيد فيها الفروق الدخل بين دول العالم المتقدمة والدول النامية من ناحية، وبين الطبقات والفئات الاجتماعية فى داخل قطر من الناحية الأخرى. إن النمو الاقتصادى يتم فى البلاد المتقدمة دون أن يصحبه زيادة فى التوظف بما يسبب انتشار بطالة ممتدة تهدد حتى المهنيين والإداريين جنباً إلى جنب مع القائمين بالانتاج، وإلى جانب الثراء المتزايد لبعض الفئات تنتشر جيوب الفقر فى أكثر الدول ثراء. وينحدر مستوى الدخل بالنسبة للفقراء فى أكثر الدول ثراء . وينحدر مستوى الدخل بالنسبة للفرد الواحد من السكان فى العديد من الدول النامية حيث يعيش أكثر من مليار من السكان فى حالة فقر وحرمان (بدخل يقل عن دولار واحد للفرد فى اليوم).

       وإذا كانت حقبة التسعينات قد بدأت بانهيار النظم الاشتراكية فى الاتحاد السوفيتى وشرق أوربا فانها شهدت فى نهايتها أزمة طاحنة فى دول جنوب شرقى آسيا المعروفة بالنمور الأسيوية، والتى صورت تجربتها على أنها دليل على أفضلية الرأسمالية، هذا بالاضافة الى تأزم الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية فى الدول الرأسمالية المتقدمة وتحول الناخبين الى الأحزاب الاشتراكية، الى درجة أنه فى عام 1999 توجد أربع عشرة دولة أوربية تحكمها أحزاب اشتراكية.

       ويؤدى وجود جزر من الدول الثرية فى محيط من الدول اللفقيرة الى زيادة حركة الهجرة القانونية وغير القانونية من الدول الناميةالفقيرة التى تعانى من مستوى مرتفع من البطالة الى الدول الأكثر تقدماً، ومايترتب عليها من استنزاف للعقول من هذه الدول الفقيرة، وينشأ من حركة الهجرة مع وجود البطالة فى نفس الوقت تصاعد التعصب العنصرى ضد الوافدين من الخارج فى أغلب الدول الصناعية المتقدمة، رغم وجود تيار ديمقراطى يدافع عن حقهم فى استمرار الاقامة والتمتع بالمميزات المترتبة على ذلك.

       والى جانب التعصب فى الدول المتقدمة ضد المهاجرين خاصة من ذوى الهوية الثقافية المختلة ، فان انهيار تجربة البناء الاشتراكى فى الاتحاد السوفيتى والدول الحليفة له ، قد اصطحب باشتداد الصراعات العرقية التى أخذ بعضها شكل الحروب بين القوميات التى عاشت متآخية خلال فترة تاريخية طويلة، وانتشرت الحروب القبلية والعنصرية بصفة خاصة فى افريقيا حيث تشتد الفاقة وتفقد مختلف الفئات أى أمل فى مستقبل أكثر اشراقاً وحيث تحولت الدولة الى عصابة للنهب والاثراء متخلية عن دورها فى توحيد البلاد.

إن مشكلة القوميات ظاهرة عالمية لا تقتصر على جمهوريات الاتحاد السويفيتى سابقاً، فهى موجودة فى بعض بلدان أوربا وفى غيرها، ولها أسباب تاريخية ويتطلب حلها مزيداً من الإجراءات الديمقراطية التى تعترف بالتنوع العرقى ومايترتب على ذلك من حقوق.

شارك موضوعى مع أصدقائك
  • gplus
  • pinterest