دكتور جودة عبد الخالق :المواطن المصرى فى مرآة الحكومة

س: إذا نظر أى مواطن مصرى إلى صورته فى مرآة الحكومة، فماذا يرى؟  ج: يرى آخرين، لكنه لا يرى نفسه. نعم، هذه هى الحقيقة الصادمة. فالحكومة لا تولى اهتماما ولا تعير إلتفاتا إلى المواطن المصرى. هذه الإجابة ليست من عندياتى، بل هى نتيجة متابعة دقيقة لأداء الحكومة وقراراتها و إعلامها وخطابها. كأمثلة، تأمل ما جرى بخصوص الاتفاق مع صندوق النقد الدولى والموازنة العامة للدولة واتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية. و سأبدأ بموضوع ترسيم الحدود الذى شغلنا  جميعًا وأحدث انقسامًا حادًا بيننا سواء من هم منا داخل مصر أو من هم خارجها. أقصد موضوع تيران و صنافير.

أقولها بمرارة: إذا نظر أى مصرى فى مرآة الحكومة بخصوص موضوع الجزيرتين فلن يجد نفسه. لقد تجاهلت الحكومة المواطن المصرى تماما فى هذه القضية الحساسة- قضية الأرض. عقدت أكثر من عشر جلسات مفاوضات مع الإخوة السعوديين فى الدهاليز، فلم يسمع عنها أحد. و تبادلت خطابات و مذكرات من وراء حجاب، فلم يرها أحد. و تم توقيع اتفاق مع الجانب السعودى و إعلان الموضوع على الملآ فجأة و فى توقيت سيئ، أثناء زيارة ملك السعودية لمصر. كل ذلك جعل الناس تضرب أخماسا فى أسداس. ثم كانت الطامة الكبرى عندما صمتت الحكومة إلى أن  بدأ تداول الموضوع فى ساحات القضاء وصدر حكمان من القضاء الإدارى، و فى انتظار الثالث من الدستورية العليا. و كانت ذروة المأساة إقرار مجلس النواب للاتفاقية بالطريقة الهزلية التى تم بها..

وإذا انتقلنا إلى موضوع موازنة الدولة لسنة 2017/18، يلح علينا نفس السؤال: ماذا يرى المواطن فى مرآة الحكومة بخصوص هذا الموضوع؟  سأركز على العمال  وعلى الفلاحين وعلى الشباب. العاملون يحصلون على أجور وتعويضات قيمتها 239.6 مليار جنيه بزيادة 4.7% فقط عن عام 2017/18. و النتيجة أن نصيب الأجور فى إجمالى المصروفات فى الموازنة هبط من 23.5% إلى 19.9%. هذه ترجمة مباشرة لمطالب صندوق النقد الدولى بضرورة الإسراع بوقف تفاقم الأجور!  الفلاح أيضا لا يرى نفسه فى مرآة الحكومة. بل إنه سقط من حساباتها.  الدليل: دعم المزارعين فى مشروع الموازنة  تم  تخفيضه بشدة إلى مليار جنيه فقط بعد أن كان 5.2 مليار جنيه فى موازنة 2016/17. و دعم تنمية الصعيد تم تجميده عند نفس مستوى العام السابق رغم الارتفاع الفاحش فى الأسعار. أما  الشباب، فهم الذين يتحملون العبء الأكبر. فعليهم خدمة الدين العام  الذى تجاوز 4.5 تريليون جنيه (بنسبة حوالى 140% من الناتج).

طالبنا مرارًا بأن تمسك الحكومة مرآة تعبر عن أطياف المجتمع المصرى. لكنها تفعل العكس؛ فمرآتها تعكس صورة الأثرياء و الخواجات. هذا ما يتضح من تحليل مشروع موازنة 2017/18. فهى موازنة انكماشية سينتج عنها ارتفاع أعداد العاطلين، خصوصا من الشباب. وهى موازنة تضخمية، لأن الجزء الأكبر من العجز يتم تمويله بطبع النقود و برفع سعر ضريبة القيمة المضافة (من 13% إلى 14%) وتوسيع نطاقها، بدلا من جلب موارد حقيقية من الضرائب. ويكفى أن نذكر أن معدل التضخم فى مصر يزيد على 30% و هو من أعلى المعدلات عالميا. باختصار، الحكومة تنتهك الدستور لأن مشروع الموازنة يناقض نص المادة 8  التى تنص على أن “تلتزم الدولة بالعدالة الاجتماعية”، والمادة 27 التى جاء فيها “… ويلتزم النظام الاقتصادى بمعايير الشفافية والحوكمة، …، ومنع الممارسات الاحتكارية، مع مراعاة الاتزان المالى … والنظام الضريبى العادل وضبط آليات السوق، … ، بما يحفظ حقوق العاملين ويحمى المستهلك”.

تهنئة: كل عام والجميع فى المحروسة بخير بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك.

رابط المقال بجريدة الاهالى

شارك موضوعى مع أصدقائك
  • gplus
  • pinterest

شارك برأيك وكن إيجابي